وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: في هذا الحوار الخاص تتحدث الكاتبة والدبلوماسية العراقية زهراء كاظم الصدر، التي تشغل درجة ملحق في وزارة الخارجية العراقية، وعضوية المكتب السياسي لتيار الحكمة الوطني، فضلاً عن عضويتها في نقابة الصحفيين العراقيين، عن العلاقة بين العمل السياسي والدبلوماسي، ورؤية تيار الحكمة لاستقلال القرار العراقي، ودور الإعلام في مواجهة حملات التضليل، إلى جانب موقع المرأة والشباب في صناعة السياسة الخارجية العراقية.
سيدتي الفاضلة، تجمعين بين صفتين تتكاملان وتتقاطعان في آن واحد، كعضو مكتب سياسي في تيار الحكمة، وكدبلوماسية في وزارة الخارجية العراقية، من هذا الموقع المشترك، كيف ترين حدود التكامل بين الدبلوماسية الحزبية والسياسية التي يقودها التيار لتقريب وجهات النظر الإقليمية، وبين الدبلوماسية الرسمية للدولة؟ وكيف يساهم خطاب الحكمة المتوازن في تعزيز أدوات السياسة الخارجية للعراق، لا سيما في إدارة الملفات الحساسة مع الجارة إيران؟
لقد استفدت كثيراً من العمل السياسي الذي امتد لخمسة عشر عاماً قبل التحاقي بأروقة الدولة، إذ منحني الخبرة والحنكة والقدرة على التعامل المهني مع الأنظمة والقوانين والإدارة الرشيدة للعلاقات الإنسانية والوظيفية، فالموظف الذي يمتلك خبرة في بيئة أكثر مرونة يكون أكثر قدرة على الإنجاز داخل المؤسسات التي تحكمها قوانين وإجراءات بيروقراطية.
كما أعدّ نفسي محظوظة بالانتماء إلى مدرسة السيد عمار الحكيم، لما يمتلكه من إمكانات دبلوماسية ووطنية كبيرة، وبعد دخولي السلك الدبلوماسي أدركت أن كثيراً مما تعلمته منه يمثل أساسيات الدبلوماسية الناجحة والفاعلة.
بصفتك كاتبة ومتابعة للشأن العام، وتستندين إلى إرث سياسي يحمله تيار الحكمة من عهد الشهيد السيد محمد باقر الحكيم وعزيز العراق السيد عبد العزيز الحكيم، كيف تنظرون اليوم إلى تحول دور العراق من ساحة لتلقي التأثيرات أو تصفية الحسابات إلى شريك استراتيجي صانع للاستقرار، كما يطرح السيد عمار الحكيم في رؤيته الإقليمية؟
إن استقلال العراق في قراره الوطني يمثل أحد أهم المبادئ التي يؤمن بها تيار الحكمة الوطني، وقد تعرض السيد عمار الحكيم، كما تعرض غيره من السياسيين، إلى الكثير من الإغراءات الدولية لكسب تأييده، لكنه رفض منطق التبعية وحرص على عدم التحول إلى أداة بيد أي جهة خارجية مهما كانت مساحة التوافق معها.
وقد دفع هذا الموقف ثمناً سياسياً وانتخابياً في بعض المراحل، لكنه أسهم في بناء قاعدة جماهيرية مؤمنة بالمشروع لا بالمصالح الآنية، ومن هنا استمر السيد الحكيم في الدفاع عن استقلالية القرار الوطني باعتبارها قيمة عليا لا يمكن التفريط بها، وهي ما يجعل العراق قادراً على أداء دور إيجابي ومتوازن في محيطه الإقليمي.
انتماؤك إلى نقابة الصحفيين العراقيين يمنحك رؤية خاصة لطبيعة التعاطي الإعلامي مع القضايا الاستراتيجية، وفي ظل الروابط الشعبية والثقافية والدينية العميقة بين الشعبين العراقي والإيراني، كيف يمكن تحويل هذه القوة الناعمة إلى أطر مؤسساتية مستدامة تحمي المصالح المشتركة بعيداً عن حملات التشويه الإعلامي؟
بدأت رحلتي مع الصحافة مبكراً عندما تبنى تدريبي الأستاذ الراحل محمد عباس الدارجي، وكنت آنذاك في الرابعة عشرة من عمري، واصلت بعدها دراستي الأكاديمية في كلية الإعلام قسم الصحافة، وعملت في عدد من المؤسسات الصحفية قبل أن أنتقل إلى الكتابة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
أما فيما يتعلق بدور الإعلام اليوم، فأعترف أنني أشعر بشيء من الإحباط، لأننا نعيش زمناً أصبح فيه التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة من أي وقت مضى. في الماضي كانت هناك معايير مهنية واضحة للتحقق من المعلومات قبل نشرها، أما اليوم فقد باتت المنصات الرقمية مفتوحة أمام الهواة ومثيري الأزمات أكثر من أصحاب الاختصاص والخبرة.
وللأسف، لا أرى حتى الآن وجود خطة حكومية أو رؤية دبلوماسية متكاملة قادرة على معالجة هذه الظاهرة أو الحد من تأثيراتها السلبية على المجتمعات والعلاقات بين الدول.
يمثل وجودك بدرجة ملحق في وزارة الخارجية وعضو مكتب سياسي نموذجاً لصعود جيل جديد من القيادات النسائية والشابة، ما البصمة التي يسعى تيار الحكمة إلى تركها في هيكلية السياسة الخارجية العراقية؟ وهل تتجه رؤيته نحو دبلوماسية التنمية والاقتصاد والاستقرار المشترك بديلاً عن دبلوماسية الأزمات التقليدية؟
بحكم موقعي الوظيفي كملحق دبلوماسي، فإن التأثير المباشر في صناعة القرار الخارجي ما يزال محدوداً مقارنة بالدرجات الدبلوماسية الأعلى، لكن الخبرة التي اكتسبتها من عملي السياسي ومن خدمتي ضمن مشروع تيار الحكمة الوطني منحتني فهماً أوسع لطبيعة العمل العام.
وأرى أن التأثير الذي نتحدث عنه تجسد بصورة أوضح في الدور الذي لعبه السيد عمار الحكيم من خلال علاقاته الواسعة وحكمته وقدرته على التفاوض، حيث أسهم في معالجة الكثير من الأزمات الإقليمية والدولية، حتى وإن لم تحظَ تلك الجهود دائماً بالتغطية الإعلامية الكافية.
إن تجربة السيد الحكيم تؤكد أن خدمة الوطن لا ترتبط دائماً بالموقع الرسمي، بل بالقدرة على بناء الثقة وإدارة الحوار وصناعة التفاهمات، ومع أن المسار السياسي أكثر مرونة من المسار الدبلوماسي الرسمي، فإن النجاح الحقيقي يكمن في توظيف هذه المرونة لخدمة المصالح الوطنية بعيداً عن أي أجندات خارجية، وهو ما عمل عليه باستمرار من خلال قوة الكلمة والهدوء والحوار والدبلوماسية.
اخيراً..
يعكس حديث زهراء كاظم الصدر رؤية تؤمن بأن قوة العراق لا تكمن في الاصطفافات والمحاور، بل في استقلال قراره الوطني وقدرته على أداء دور توازني يجمع ولا يفرق. وبين تجربتها في الإعلام والسياسة والدبلوماسية، تؤكد أن بناء الاستقرار يبدأ من ترسيخ الوعي وتعزيز المهنية والتمسك بالمصالح الوطنية العليا.
وفي وقت تتعاظم فيه التحديات الإقليمية والدولية، يبقى الرهان على الدبلوماسية الهادئة والحوار المسؤول وصناعة الثقة المتبادلة، بوصفها الأدوات الأكثر قدرة على حماية مصالح الشعوب وصون أمن المنطقة واستقرارها.
/انتهى/
تعليقك